جنيف، في 28 أكتوبر-تشرين الأوّل 2026
قضت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في القضايا الإرهابية بالمحكمة الابتدائية بتونس، مساء الثلاثاء 27 أكتوبر-تشرين الأوّل 2026، بإصدار أحكام سجنية ابتدائية ثقيلة في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«التسجيلات الصوتية»، شملت عددًا من الشخصيات السياسية والإعلامية، وبلغ مجموع العقوبات الصادرة بحق عشرة متهمين 213 سنة سجنًا.
وشملت الأحكام السجن لمدة تسع سنوات في حق البروفيسور منذر الونيسي، القيادي بحركة النهضة، وأربع سنوات في حق الصحفي زياد الهاني، إلى جانب أحكام غيابية بالسجن لمدة 25 سنة مع النفاذ العاجل في حق كل من الدكتور رفيق عبد السلام، وزير الخارجية الأسبق، وماهر زيد، عضو البرلمان السابق، والوزير الأسبق أحمد قعلول، و فتحي العيادي ورضا إدريس، القياديان بحركة النهضة، ومعاذ الخريجي، و الطاهر بوبحري والصحفية شهرزاد عكاشة.
وتعود القضية إلى تسجيلات صوتية مسرّبة منسوبة إلى البروفيسور منذر الونيسي، أُحيل على خلفيتها عدد من الشخصيات السياسية والإعلامية إلى المحاكمة بتهم ذات صبغة إرهابية.
وتدين جمعية ضحايا التعذيب في جنيف هذه الأحكام، وتعتبرها مظهرًا جديدًا من مظاهر التعسف القضائي الذي يثير مخاوف جدية بشأن توظيف القضاء في تصفية الحسابات السياسية، في ظل مناخ تتراجع فيه ضمانات استقلال السلطة القضائية وتتزايد فيه المحاكمات المثيرة للجدل بحق معارضين سياسيين وإعلاميين.
وترى الجمعية أن القسوة الاستثنائية للعقوبات الصادرة، وطبيعة الملف الذي انطلقت منه التتبعات، تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى احترام مبدأ التناسب بين الأفعال المنسوبة إلى المتهمين والعقوبات المسلطة عليهم، وحول توفر المقومات الأساسية للمحاكمة العادلة، وفي مقدمتها استقلال القضاء وحياده احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع.
وتؤكد الجمعية أن مكافحة الإرهاب، باعتبارها التزامًا مشروعًا للدولة بحماية أمن المجتمع، لا يجوز أن تتحول إلى غطاء للتوسع في التجريم أو التضييق على الحريات العامة، ولا يمكن أن تشكل ذريعة لتجاوز الضمانات القانونية والدستورية والدولية التي تكفل لكل متهم الحق في محاكمة عادلة أمام قضاء مستقل ومحايد.
كما تشدد على أن المحاكمة العادلة لا تتحقق بمجرد استكمال الإجراءات الشكلية أو صدور الأحكام عن جهة قضائية مختصة، بل تقتضي تمكين المتهمين من ممارسة حقوقهم كاملة، بما في ذلك الحضور الفعلي والمشاركة المؤثرة في إجراءات المحاكمة، والاتصال بمحاميهم، ومناقشة الأدلة المقدمة ضدهم، وممارسة حق الطعن الفعّال في الأحكام الصادرة بحقهم.
وفي هذا السياق، تعبّر الجمعية عن تحفظاتها إزاء اعتماد المحاكمة عن بُعد، وتؤكد أن اللجوء إلى هذه الآلية ينبغي ألا يكون على حساب حقوق الدفاع أو ضمانات المواجهة المباشرة مع الأدلة والاتهامات.
وتذكّر الجمعية بأن هذه الضمانات تمثل التزامات قانونية دولية ملزمة للدولة التونسية بمقتضى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة الرابعة عشرة المتعلقة بالحق في محاكمة عادلة.
وتعتبر الجمعية أن هذه الأحكام، في سياق الأزمة التي تمر بها منظومة العدالة التونسية، لا يمكن النظر إليها بمعزل عن المخاوف المتزايدة بشأن استقلال القضاء وتراجع الضمانات الأساسية للمتقاضين، وهي مخاوف سبق أن عبّرت عنها منظمات حقوقية دولية وآليات أممية معنية بحقوق الإنسان.
وتحذّر الجمعية من أن استمرار إصدار أحكام سجنية قاسية في قضايا ذات خلفيات سياسية، في غياب ضمانات قضائية كافية وشفافة، من شأنه أن يعمّق أزمة الثقة في القضاء ويقوّض مصداقية المؤسسات القضائية، داخل تونس وخارجها.
وانطلاقًا من مسؤوليتها الحقوقية، تطالب جمعية ضحايا التعذيب في جنيف بمراجعة الأحكام الصادرة مراجعة قضائية مستقلة وشفافة، تكفل جميع ضمانات المحاكمة العادلة، وتدعو إلى تمكين المحكوم عليهم من كامل حقوقهم القانونية، وفي مقدمتها الحق في الدفاع والطعن الفعّال في الأحكام.
كما تدعو المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، والمقررين الخاصين المعنيين باستقلال القضاة والمحامين وبحماية حقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب، وسائر المنظمات الحقوقية الدولية، إلى التحرك العاجل لمتابعة هذه القضية ورصد مدى احترام السلطات التونسية لالتزاماتها الدولية، والتصدي لما تعتبره الجمعية عبثًا قانونيًا يهدد ما تبقى من ضمانات العدالة ودولة القانون.
وتؤكد جمعية ضحايا التعذيب في جنيف أنها تشكك بصورة جدية في مصداقية هذه المحاكمة ومدى استجابتها للمعايير الدولية للعدالة، وترفض الاعتراف بمخرجاتها باعتبارها تعبيرًا عن عدالة مستقلة ومنصفة، ما لم تخضع لمراجعة قضائية حقيقية تستجيب لمقتضيات المحاكمة العادلة.
وتشدد الجمعية، في ختام بيانها، على أن الأحكام القضائية لا تكتسب شرعيتها الحقوقية من مجرد صدورها باسم القانون، وإنما من احترامها لجوهر العدالة وضمانات المحاكمة المنصفة، وأن استمرار المحاكمات التي تحيط بها شبهات جدية بشأن استقلال القضاء وحقوق الدفاع من شأنه أن يفاقم عزلة القضاء التونسي على المستوى الحقوقي الدولي ويقوّض الثقة في مصداقية أحكامه.