تمهيد
حين شرعنا في كتابة التقرير السنوي لواقع الحريّات السياسيّة والمدنيّة في تونس، وأمام فظاعة ما تجمّع لدينا من شهادات صادمة، عن سرعة النكوص في اتجاه مربّعات التخوين والملاحقات القضائيّة والأمنية، والتي حوّلت مهد الربيع العربي وزهرته إلى بلد طارد لشبابه ومثقفيه على اختلاف مشاربهم، سُرعان ما طرقت بابَنا ذكرياتُ سنوات المهجر الأولى التي رحّلتنا بعيدا عن رحاب الطفولة وأشواقِها، وألقت بنا مُهجَّرين في مشارقِ الأرض ومغاربِها، ننشد حرية الكلمة وهناء المتّكأ. نادتنا قصصُ عذابات الرّحلة ووجعُ ماضِ حَسِبنا أنّنا طلّقناه وطلّقنا بلا رجعة.
ونحن إذّاك، نُصارع مواجع الذكرى فنصرَعُها وتصرعُنا، حتى سُرِرنا بقرار محكمة الجنايات الدّوليّة القاضي بإصدار بطاقة جلب دوليّة ضد مجرمي الحرب في فلسطين المحتلّة على رأسهم نتنياهو ووزير الدفاع السابق غالنت، ثمّ جاءتنا بشرى نجاح الشعب السوري ومعارضته المسلّحة في إنهاء حكم دكتاتوري دموي قتل أكثر من 500 ألف مواطن وهجّر قرابة 12 مليون سوري في مشارق الأرض ومغاربها. قرارات وأنباء سارّة جاءت لتذكّرنا بأنّ سيف العدالة الإنسانيّة بتّار ولو بعد حين، وأنّ الكفاح في سبيل حريّة الأوطان واستقلالها، شأنه شأن النّضال في سبيل الحريّات السياسيّة والعدالة الاجتماعيّة، بالغُ مداه ولو كره المحتلّ والطّغاة المُستبدّون. ولأنّنا في جمعيّة ضحايا التعذيب في جنيف، تحسّسنا باكرا معنى أن يفرّ الجلاّدُ من ضحيّته، يوم أجبرنا سلطة بن علي على تهريب عبد الله القلاّل، وزير الداخليّة في بداية تسعينيّات القرن الماضي، من المستشفى الجامعي بمدينة جنيف السويسريّة في وقت متأخّر من ليلة 12 ماي 2001 عبر سيّارة إسعاف ومُنتحِلا اسما مستعار !، فإنّنا نُدرك أهميّة استصدار قرار جنائي دولي ينتصر للضحايا وذويهم ويدعو لملاحقة مرتكبي الجرائم في أكثر من 124 دولة ممضية على نظام روما للجنائيّة الدّوليّة.
وكانت سلطة بن علي قد التجأت إلى تهريب المجرم عبد الله القلّال من قبل سفيرتها في العاصمة السويسرية بَرن، بالتعاون مع جهات فرنسيّة. وقد اضطرّت سلطة بن علي إلى ذلك خوفا من إيقافه من قبل القضاء السويسري بعد أن قام رئيس الجمعية السيد عبد الناصر نايت ليمان، بوصفه ضحيّة تعذيب وحشي نجم عنه سقوط بدني كبير فترة تولّي عبد الله القلال مقاليد وزارة الدّاخليّة سنة1991، بتقديم قضيّة إلى الوكيل العام لكانتون جنيف السيد Bernard Bertossa، بمعيّة الأستاذ المحامي François Membrez.
إنّنا في جمعيّة ضحايا التعذيب في جنيف وإذ نخصّص هذا التقرير السنوي لإنارة الرأي العام الدّولي حول حقيقة تدهور وضع الحريات والحقوق السياسية والمدنيّة في تونس، سنوات ثلاث بعد انقلاب 25 جويلية- تموز – يوليو 2021، فإنّنا ننبّه من خطورة ما يحصل من ردّة شاملة في مجالي الحريات والحقوق السياسيّة والمدنيّة في تونس، أتت على مُجمل المكاسب الديمقراطية والمؤسساتيّة التي راكمها التونسيون والتونسيّات بنضالاتهم على مدى عقود طويلة ووُفِّقُوا في دسترتها وتقنينها خلال عشريّة الديمقراطيّة.
وقد اجتهدنا خلال هذا التقرير في توثيق معظم الانتهاكات التي طالت نشطاء الفضاءين السياسي والمدني ودوّنّاها في جدول تفصيلي يقرن أسماء الضحايا بالتهم المنسوبة لهم والمدّة المقضاة في السجن. وقد حرصنا في هذا الإطار على الإبقاء على منطوق التهم المنسوبة لسياسيين قضى كثيرُ منهم ما يزيد عن عقود أربعة في النضال في سبيل الحريّة زمن الرئيسين الرّاحلين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، بين السجون وأهوالها والمنافي وأشواقها، وليتحوّلوا اليوم إلى متّهمين في قضايا تآمر ضدّ الدّولة وأمنها ومرتكبي لأمر موحش في حق رئيس الجمهوريّة!
ولئن تركّز اهتمامنا في توثيق الانتهاكات المُرتكبة على الصحفيين والشخصيّات السياسيّة والحقوقيّة، فإنّ ذلك لا يغفل حقيقة صادمة مفادها أنّ غالبيّة المحاكمات السالبة للحريّة قد تمّت على خلفيّة المرسوم عدد 54 لسنة 2022 مؤرخ في 13 سبتمبر 2022 يتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال. ويكفي في هذا المقام الإشارة إلى الرقم المفزع الذي كشفت عنه الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهوريّة عند حديثها عن العفو الرئاسي الخاص الصّادر بمناسبة ذكرى 25 يوليو 2024. فقد شمل العفو الخاص 1727 محكومًا، مما أدى إلى الإفراج عن 233 منهم فورًا. وقد ذُكِر حينها أنّ “العفو استهدف بشكل خاص المحكومين في قضايا تتعلق بنشر تدوينات على وسائل التواصل الاجتماعي، باستثناء من أدينوا بجرائم أخرى غير مرتبطة بالتعبير الرقمي”. إنّ البلاغ الرّئاسي المذكور يفضح حجم الإحالات السجنيّة التي تمّت على خلفيّة تدوينات فايسبوكيّة أو مجرّد إبداء رأي ما على شبكات التواصل الاجتماعي ترى السلطة أنّه يفضح نفاقها وعدم احترامها لحريّة الرأي والتعبير. وقد حال بيننا وبين توثيق جملة هذه الجرائم المرتكبة في حق أبناء تونس وبناتها مناخُ الرّعب والتخويف الذي عملت السلطة ولا تزال على إشاعته واستدامته.
كما لا يفوتنا في هذا الإطار الإشارة إلى أنّه ولئن خصصت جمعيّة ضحايا التعذيب في جنيف تقريرها السنوي لسنة 2024 للحديث عن الوضعين في تونس والأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، فإنّ نشاطها الرّقابي والتوعوي يشملُ كذلك فضح جرائم العدوان الإسرائيلي وضحاياه في لبنان. كما تهتم الجمعيّة بالتقصّي في أوضاع حقوق الإنسان في أكثر من بلد عربي، حيث يتواصل التعذيب والملاحقات القضائيّة للنشطاء والمدوّنين على خلفيّة آرائهم وأنشطتهم السياسيّة والمدنيّة. وقد انبنى قرارنا على اعتبار خطورة ما يحدث في غزّة ما بعد أكتوبر-تشرين أوّل 2023 وكذلك على خطورة الردّة الحاصلة في مجالَي الحريات السياسيّة والمدنيّة في تونس، مهد الربيع العربي، منذ انقلاب 25 جويلية-يوليو 2021.
ويوثّق التقرير الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق الأسرى داخل سجون الاحتلال ومعتقلاتِه، على وجه الخصوص تلك التي حصلت في الفترة اللاحقة للسّابع من أكتوبر-تشرين الأوّل 2023. كما يتضمّن بعضا من صور الأنشطة التحسيسية التضامنية والإعلاميّة التي داومت على عقدها جمعيّة ضحايا التعذيب بصفة تكاد تكون أسبوعيّة بمدينة جنيف منذ السابع من أكتوبر 2023.
إنّ جمعيّة ضحايا التعذيب في جنيف، وإذ تتوجّه بخالص الشّكر الامتنان لأبناء ضحايا التعذيب والمعتقلين والمساجين وعائلاتهم وللسادة المحامين وشبكة المنظمات الحقوقية والنشطاء في المجتمع المدني التونسي والدولي والمدافعين عن حقوق الإنسان على إسنادها في توثيق الجرائم ومنحها الثقة الغالية، فإنّها تعاهدهم على استمرارها في إبلاغ رسالتها الحقوقيّة وأمانتها الإنسانيّة، انتصارا للضحايا وكشفا للمجرمين ومعاونيهم وتتعهّد بملاحقتهم أمام القضاء الدّولي وّإنّ غدا لناظره لقريب.


