جنيف، في 28 سبتمبر-أيلول 2026
تنعى جمعية ضحايا التعذيب في جنيف ببالغ الحزن والأسى فاطمة بوعناني، والدة الشهيد كمال المطماطي، التي رحلت بعد أكثر من ثلاثة عقود من الانتظار دون أن تعرف إلى اليوم أين دُفن ابنها، ودون أن ترى العدالة تأخذ مجراها في قضية تعرف تفاصيلها وتعرف من تتهمهم بالمسؤولية عن تعذيب ابنها وقتله وإخفاء جثمانه.
أُوقف كمال المطماطي في قابس سنة 1991، وأصبح ملفه لاحقًا أول قضية تُفتتح بها المحاكمات أمام الدوائر الجنائية المتخصصة في العدالة الانتقالية، يوم 29 مايو/أيار 2018 أمام المحكمة الابتدائية بقابس. ومنذ الجلسات الأولى، واجه المسار عراقيل متكررة، من بينها امتناع المتهمين عن المثول وعدم تنفيذ الاستدعاءات القضائية، وهو ما أدى إلى سلسلة طويلة من التأجيلات.
ومنذ ذلك التاريخ، تعاقبت الحكومات والسلطات، بينما بقيت الحقيقة مؤجلة والعدالة معلقة. واليوم، وبعد أكثر من ثماني سنوات على انطلاق هذه المحاكمات، لم تصل ملفات الانتهاكات الجسيمة المحالة على الدوائر المتخصصة إلى الأحكام التي انتظرها الضحايا وعائلاتهم، في وقت واصلت فيه السلطة التنفيذية، وفق تقارير حقوقية حديثة، عدم تنفيذ مذكرات وأوامر قضائية صادرة في هذا المسار.
وترى الجمعية أن المسؤولية اليوم أصبحت أثقل على السلطة الحالية برئاسة قيس سعيّد. فمنذ 2021 لم تتخذ الدولة التدابير الكفيلة بإزالة العراقيل المتراكمة أمام الدوائر المتخصصة، بل شهد المسار مزيدًا من الشلل. وبعد الحركة القضائية لسنة 2023، أدى تغيير عدد من رؤساء الدوائر إلى تعطّل إضافي، وظلت دائرة تونس، التي تنظر في القسم الأكبر من ملفات العدالة الانتقالية، متوقفة قرابة عامين قبل أن تستأنف جلساتها في مارس 2025. وحتى بعد استئنافها، بقيت القضايا رهينة التأجيلات والإجراءات البطيئة.
إن استمرار غياب عدد كبير من المتهمين، وبينهم أمنيون ومسؤولون سابقون، عن الجلسات، وعدم تنفيذ الاستدعاءات والأوامر القضائية بحقهم، لم يعد مجرد خلل إجرائي عابر. لقد تحول إلى أحد أهم أسباب إطالة أمد القضايا واستنزاف الضحايا وعائلاتهم، فيما يرحل الواحد منهم تلو الآخر قبل أن يسمع حكمًا أو يعرف الحقيقة كاملة.
رحيل فاطمة بوعناني اليوم يفضح بصورة موجعة حصيلة هذا التعطيل.
لقد ماتت أمّ كمال المطماطي وهي لا تعرف قبر ابنها، رغم مرور خمسة وثلاثين عامًا تقريبًا على اختفائه ووفاته، وأكثر من ثماني سنوات على افتتاح محاكمته أمام دائرة قضائية متخصصة.
ومع رحيلها، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا ومسؤولية: أين جثمان كمال المطماطي؟ ولماذا لم تُنفذ، إلى اليوم، مقتضيات العدالة في قضيته وفي بقية ملفات الانتهاكات الجسيمة؟
إن جمعية ضحايا التعذيب في جنيف تعتبر أن الحكومات المتعاقبة تتحمل نصيبها من مسؤولية إبطاء مسار العدالة الانتقالية، لكنها تؤكد أن تتحمل اليوم مسؤولية مباشرة عن استمرار هذا الوضع وعن عدم وضع حد لتعطيل الدوائر الجنائية المتخصصة في العدالة الانتقالية وعدم إنفاذ القرارات القضائية الصادرة عنها.
ولا يمكن للسلطة أن ترفع خطاب الانتصار للضحايا في الوقت الذي يموت فيه الضحايا وأمهاتهم وآباؤهم وشهود قضاياهم، بينما تبقى المحاكمات تراوح مكانها.
وعليه، تدعو جمعية ضحايا التعذيب في جنيف القوى الحقوقية والمدنية، وعائلات الضحايا، والمنظمات الوطنية والدولية، إلى تكثيف الضغط من أجل:
- الكشف الكامل والفوري عن حقيقة مصير جثمان كمال المطماطي ومكان دفنه.
- تنفيذ جميع الاستدعاءات و الأوامر والمذكرات القضائية الصادرة عن الدوائر الجنائية المتخصصة دون تمييز أو حماية لأي متهم.
- وضع حد للتّعطيل الإداري والأمني والسياسي الذي أصاب مسار العدالة الانتقالية.
- ضمان استقلال الدوائر المتخصصة واستمراريتها وتوفير شروط عملها الفعلي.
- تسريع المحاكمات بما يحفظ حقوق الضحايا والمتهمين معًا، ويمنع تحوّل الزمن إلى أداة إضافية للإفلات من المحاسبة.
- تحرك القوى الحقوقية والمدنية داخل تونس وخارجها من أجل إبقاء قضية الحقيقة والمحاسبة قضية عامة لا تُطوى بوفاة الضحايا والشهود.